خوارزميات تروي الحكاية
لم يعد الخبر يُصاغ كما كان ولم تعد الحكاية تبدأ من الحدث ذاته، بل من الطريقة التي يُعاد بها تشكيله قبل أن يصل إلى المتلقي ففي المشهد الإعلامي اليوم لم تعد الكلمة تمرّ فقط عبر عقل الصحفي، بل تمرّ كذلك عبر أنظمة قادرة على تحليلها وترتيبها واقتراح شكلها النهائي في عملية لا تُرى تفاصيلها لكنها تُحدد إلى حد كبير ما ينشر وكيف يُفهم.
ونلاحظ أن مفهوم السبق الصحفي قد تغير ولم يعد قائما على من يصل أولًا، بل على من يصل بفهمٍ
أعمق، كما أن الزمن لم يعد يُقاس بموعد النشر، بل بلحظة الوصول حيث تتكفل الخوارزميات
بإيصال المحتوى وفق معايير دقيقة وترتبط باهتمامات الجمهور وسلوكياته لا بأهمية الحدث
في ذاته.
فهذا التحول لم يأتِ
بوصفه مجرد تطور تقني، بل كإعادة تشكيل حقيقية لبنية العمل الإعلامي فالذكاء الاصطناعي
أتاح قدرة غير مسبوقة على تحليل البيانات وفهم الجمهور وتخصيص المحتوى حتى أن الخطاب
الإعلامي لم يعد كما في سابقه موجها للجميع بالطريقة ذاتها، بل أصبح يفصل وفق معطيات
رقمية تُحدد ما يُقرأ وما يُتجاهل.
ولكن وبقدر ما يفتح
هذا التحول من آفاق فإنه يطرح في المقابل تحديات مهنية لا يمكن تجاوزها فعندما تصبح
الآلة قادرة على إنتاج النصوص وتوليد الصور ومحاكاة الأساليب البشرية نجد المسافة بين
الحقيقة والاحتمال تبدأ بالتآكل ويصبح التحقق من المعلومات مسؤولية أكثر تعقيدا من
أي وقت مضى.
لذلك لم يعد الخطر في
غياب المعلومة، بل في وفرتها وفي قدرة بعض الأدوات على إعادة تشكيلها بطريقة قد تضلل
المتلقي دون أن يلحظ ذلك، وهنا لا يعود امتلاك التقنية معيارا للتفوق، بل يتحول الوعي
باستخدامها إلى العامل الحاسم في الحفاظ على مصداقية العمل الإعلامي.
ففي ظل هذا الواقع
نجد أن دور الصحفي يتعاظم لا بوصفه ناقلا للخبر، بل كحارس لمعناه، فالتقنية مهما بلغت
من التطور تظل عاجزة عن إدراك السياق الثقافي والاجتماعي وعن فهم الأبعاد غير المرئية
للحدث وهي الأبعاد التي تمنح الخبر قيمته الحقيقية.
فالمسألة لم تعد تقنية يمكن تبنيها أو تجاهلها، بل واقع يفرض نفسه ويعيد تعريف
المسؤولية الإعلامية في جوهرها.
وفي نهاية هذا المشهد تبقى حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها: أن قيمة الإعلام لا
تُقاس بما تنتجه الآلة، بل بما يحافظ عليه الإنسان من معنى فقد تكتب الخوارزميات الخبر
وتختصر الطريق وتسرع الوصول ولكنها لا تدرك لماذا يُروى ولا لمن يُكتب في عمقه.
وهنا تحديدًا يتحدد الفارق بين إعلامٍ يصنع الوعي، وآخر يكتفي بإعادة إنتاجه