خوارزميات الذكاء الاصطناعي…
حين تحدد الإعلانات ما نراه، وتوجّه ما نشتريه
لم تعد الإعلانات الرقمية والمنتجات المقترحة على الشاشات مجرد محتوى عابر يظهر للمستخدم بشكل عشوائي، بل أصبحت اليوم نتيجة حسابات دقيقة تجريها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، التي تراقب السلوك، وتحلل الاهتمامات، وتبني على ذلك ما يراه المستخدم من توصيات يومية. وبينما يبدو هذا التطور مفيدًا من حيث تسهيل الوصول إلى ما يناسب الأفراد، يطرح في المقابل تساؤلات حساسة حول مدى حياد هذه الخوارزميات، وما إذا كانت تعمل فعلًا لصالح المستخدم، أم أنها قد تميل إلى تفضيل منتجات أو شركات بعينها.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية متزايدة في ظل اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية في التسوق والإعلان، حيث لم تعد قرارات الشراء تُصنع فقط داخل المتاجر أو عبر الإعلانات التقليدية، بل أصبحت تتشكل أيضًا داخل التطبيقات ومحركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي. ومن هنا، يتجه هذا التحقيق إلى استكشاف كيفية تحديد الخوارزميات للإعلانات والمنتجات التي تظهر للمستخدمين، ورصد احتمالات التحيز داخل هذه الأنظمة، وتحليل أثرها المباشر على قرارات الشراء لدى الجمهور.
خوارزميات لا تعمل في الفراغ
يرى
مختصون في التقنية والإعلام الرقمي أن الخوارزميات لا تعرض المحتوى بشكل محايد تمامًا،
لأنها تعتمد على بيانات يجري جمعها من سلوك المستخدم، مثل عمليات البحث، ومدة التصفح،
وأنماط التفاعل مع المحتوى. ويتيح ذلك بناء صورة رقمية مفصلة عن الجمهور، تُستثمر لاحقًا
في توجيه الإعلانات والمنتجات التي تظهر لكل فئة من المستخدمين.
في
هذا السياق، لا يكون ما يظهر للمستخدم بالضرورة هو “أفضل” منتج في السوق، بل قد يكون
أيضًا الأكثر قدرة على الدفع الإعلاني أو الأعلى أولوية ضمن أنظمة المزايدة الرقمية.
وهنا تبرز إشكالية التداخل بين التخصيص بوصفه خدمة للمستخدم، والتوجيه بوصفه مصلحة
تجارية قد تعيد تشكيل سلوكه الشرائي دون أن يلتفت إلى ذلك بوضوح.
بين التخصيص والتحيز
التخصيص
في ذاته ليس مشكلة، بل يمكن أن يكون خدمة حقيقية عندما يقرّب للمستخدم ما يحتاج إليه
بالفعل، ويجنبه الإعلانات البعيدة عن اهتماماته.
إلا أن الخطورة تظهر عندما يتحول هذا التخصيص إلى دائرة ضيقة من الخيارات المتكررة،
تجعل المستخدم محاصرًا ضمن نمط واحد من المنتجات أو العلامات التجارية.
وتشير قراءات في هذا المجال إلى أن الخوارزميات قد تعيد إنتاج تحيزات مخفية، سواء في طريقة برمجتها أو في البيانات التي تغذيها، فيصبح بعض المحتوى أكثر حضورًا لا لجودته فقط، بل لأنه مدعوم تجاريًا أو مفضلًا بنيويًا داخل النظام
أثر مباشر على قرار الشراء
لا
تقتصر وظيفة الخوارزميات على عرض المنتجات، بل تمتد إلى صناعة الانطباع حولها، من خلال
تكرار الظهور وربط المنتج بسياقات مختلفة قريبة من اهتمامات المستخدم. ومع استمرار
التعرض، قد يتحول الإعلان من مجرد اقتراح إلى خيار يبدو بديهيًا في ذهن المستهلك لحظة
اتخاذ القرار.

ويُعزز
هذا الاتجاه ما أشار إليه الخبير أندرو عزمي
في منشور على منصة إكس، حيث أفاد بأن 55% من المستهلكين السعوديين يستخدمون الذكاء
الاصطناعي أسبوعيًا قبل الشراء، و73% من مستهلكي السعودية والإمارات اشتروا عبر وسائل
الميديا خلال آخر 12 شهرًا وفق تقرير Deloitte 2025، مما يؤكد تحول الخوارزميات إلى
شريك أساسي في رحلة القرار الشرائي من البحث الأولي إلى الدفع النهائي.
Barad أصوات من السوق: فيصل الدايل و
تقدم علامة Barad، المتخصصة في منتجات العناية بالبشرة وتحمل شعار “FOR ALL SKIN, FOR ALL BEAUTY”، مثالًا عمليًا على كيفية توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي في سوق تجميلي تنافسي. وتوضح إدارة العلامة أن هويتها

المهنية
تقوم على تقديم منتجات عالية الجودة وفق معايير عالمية مستلهمة من التجربة الكورية
في التصنيع، مع التركيز على الابتكار والدقة لتلبية احتياجات مختلف أنواع البشرة.
وتشير Barad إلى أن الخوارزميات أسهمت في تحليل سلوك جمهورها بدقة، من خلال رصد أنماط التصفح والتفاعل واهتمامات الفئات المختلفة، ما مكّنها من تخصيص الرسائل الإعلانية وتوجيه الحملات إلى شرائح أكثر تحديدًا. وبهذا، لم يعد الخطاب التسويقي عامًا، بل أصبح أقرب إلى “رسالة شخصية” تصل إلى المستخدم في الوقت الذي يكون فيه أكثر استعدادًا للتفاعل.
وفي سياق مماثل، تبرز علامة فيصل الدايل للعطور كمثال آخر على دمج الذكاء الاصطناعي في حملات الإعلان، حيث تستخدم خوارزميات متقدمة لتحليل تفضيلات الجمهور وتوجيه الإعلانات الرقمية لمنتجاتها

مثل “Saudi Coffee”. وهذه الحملة الترويجية تربط التراث السعودي بالعطور الفاخرة بطريقة
مبتكرة ومخصصة، مما يظهر كيف تساهم التقنية في تعزيز التفاعل مع الجمهور المستهدف. .
وتوضح العلامة أن هذه التقنيات ساعدت في استهداف الشرائح المناسبة بدقة أعلى، مما عزز من تفاعل المستخدمين ودفع قرارات الشراء من خلال توصيات تبدو شخصية ومبنية على اهتماماتهم الثقافية واليومية، مع الحفاظ على الطابع الإبداعي في تصميم الحملات

تفتح هذه الأسئلة الباب أمام مطالبة أكبر بالشفافية من جانب المنصات الرقمية حول المعايير التي تحكم ظهور الإعلانات وترتيب المنتجات للمستخدم. كما تعزز الحاجة إلى توضيح الحدود بين ما هو توصية مبنية على ملاءمة حقيقية لاحتياجات الفرد، وبين ما هو نتيجة مباشرة لعلاقات تجارية أو أولويات إعلانية مدفوعة.
في المقابل، يظل وعي المستخدم جزءًا
أساسيًا في معادلة الحماية من التوجيه غير المرئي؛ فكلما أدرك الجمهور أن ما يراه
على الشاشة ليس محايدًا بالكامل، وأصبح أكثر قدرة على طرح الأسئلة، والمقارنة،
والبحث عن خيارات أخرى خارج ما تتيحه له الخوارزميات مباشرة.
المصادر:
https://new.express.adobe.com/webpage/mJZPdMuEqeAFR
1. الجزيرة
نت. البشر مقابل الخوارزميات: كيف تتحكم التقنية بما نراه؟
2. https://www.aljazeera.net/tech/2024/7/30 /البشر-مقابل-الخوارزميات-الحرب
3. الجزيرة
نت. سلوكك على الإنترنت يكشف أولوياتك: كيف تُحلل البيانات؟
4. https://www.aljazeera.net/midan/miscellaneous/technology/2017/12/5 /سلوكك-على-الإنترنت-يكشف-أولوياتك-كيف
مركز الجزيرة للدراسات. الخوارزميات
وتشكيل الرأي العام في العصر الرقمي
5. https://studies.aljazeera.net/ar/article/4569