استبصار
مقالات مقال

وجوه لم تولد يوما

2026/05/10 12:21 8 مشاهدة بقلم : لمى الربيعان
وجوه لم تولد يوما

في آخر مرة فتحت فيها تطبيق إنستغرام، توقفت أمام حساب لفتاة تحمل ملامح البشر وتنبض بحياة لا تخطئها العين تنشر صور رحلاتها ووجباتها وتوصياتها بثقة من يعيش ويُجرب ويحكي لكن ما اكتشفته بعد دقائق من البحث جعل أصابعي تتوقف عن التمرير ، إذ تلك الفتاة لم تولد قط، ولم تضع قدمها في أي من تلك الأماكن، ولم تتذوق طعامًا في حياتها لأن لها حياة لا توجد أصلا، فهي مجرد شخصية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تُدار من وراء الشاشات لتبيع لك منتجات وتكسب تأثيرًا وتحصد عقودًا إعلانية حقيقية.

لم يكن المؤثرون الافتراضيون ظاهرة مفاجئة، لكنها باتت اليوم أكثر انتشارًا وأشد إتقانا وأعمق اختراقا لوعي الجمهور مما كان يتخيله أحد قبل سنوات قليلة، فبعد أن كانت هذه الشخصيات تبدو رسومات أو شخصيات كرتونية يسهل كشفها، أصبحت اليوم تُحاكي الواقع بدقة مرعبة تخدع حتى من يظن نفسه متيقظا وواعيا ، وقد دخلت هذه الظاهرة منطقتنا العربية بقوة، وبات لدينا مؤثرون افتراضيون ناطقون بالعربية يُروّجون لعلامات تجارية بارزة ويحصدون ملايين المتابعين الذين لا يعلمون في الغالب بحقيقة من يُتابعون.

المعضلة الحقيقية هنا ليست في التقنية بل في الثقة، فحين نتابع مؤثرًا بشريا نؤمن ولو ضمنيًا بأن تجربته حقيقية وأن رأيه نابع من شعور حقيقي، أما المؤثر الافتراضي فهو في جوهره إعلان مموه، لا رأي ولا تجربة ولا صدق، بل خوارزميات مبرمجة لتوليد محتوى يُحقق أهدافًا تجارية بغلاف إنساني مزيف، والمشكلة الأخطر أن غالبية المتابعين لا يعرفون أنهم يتفاعلون مع كيان غير حقيقي، مما يجعل التأثير يعمل في العقل الباطن دون أي حماية واعية.

أرى بأن الإفصاح واجب أخلاقي لا خيار تسويقي، وأرى أن أي شخصية افتراضية تنشط على منصات التواصل دون إخبار الجمهور الصريح بأنها مصنوعة بالذكاء الاصطناعي هي في جوهرها عملية تضليل منظمة ومتعمدة، وأن الشركات التي توظف هذه الشخصيات تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية مباشرة تجاه جمهور لم يختر أن يكون ضحية لعملية إقناع مزيفة، كما يجب تطبيق القانونيين على المنصات الرقمية والجهات الرقابية المعنية لوضع حد أدنى من الشفافية يلزم أصحاب هذه الحسابات بالإفصاح الواضح عن طبيعتها الاصطناعية في كل منشور وكل إعلان

لسنا ضد التقنية ولا ضد الإبداع الرقمي، فالذكاء الاصطناعي أداة بيد الإنسان يحكمها الاختيار الأخلاقي لا البرمجة وحدها، لكننا في المقابل لسنا مستعدين للقبول بعالم رقمي تتلاشى فيه الحدود بين الحقيقي والمصطنع دون أن يرف لأحد جفن، فالثقة التي بنتها منصات التواصل الاجتماعي بين الناس والمحتوى هي رصيد يستحق الحماية، وحين تتأكل هذه الثقة تتأكل معها قيمة كل ما يُقال ويُشارك ويُؤثر في هذا الفضاء الرقمي الذي بات جزءًا لا ينكر من حياتنا اليومية.