استبصار
مقالات مقال

حين يذبل العقل بصمت.. التعفن الدماغي الذي نعيشه دون أن نشعر

2026/05/10 13:22 16 مشاهدة بقلم : ريم العمري
حين يذبل العقل بصمت.. التعفن الدماغي الذي نعيشه دون أن نشعر

استيقظت ذات صباح وأنا أبحث عن هاتفي الذي كان بجانبي طوال الوقت، ثم فتحت أحد التطبيقات “لدقائق بسيطة” قبل أن أبدأ يومي. مرت ساعة كاملة وأنا أتنقل بين مقاطع قصيرة، وضحكات عابرة، ومعلومات لا أتذكر منها شيئًا. أغلقت الهاتف أخيرًا، لكني شعرت بثقل غريب في ذهني، وكأن عقلي استهلك طاقته في لا شيء. حاولت قراءة صفحة من كتاب، فلم أستطع التركيز. حاولت كتابة فكرة، فهربت الكلمات. في تلك اللحظة أدركت أن المشكلة ليست في التعب أو قلة النوم، بل في شيء أعمق وأخطر… ما يسمى اليوم بـ التعفن الدماغي.

هذا المصطلح لا يعني مرضًا طبيًا حرفيًا، بل حالة ذهنية يعيشها الإنسان عندما يغرق في محتوى سطحي ومتكرر يستهلك الانتباه ويضعف التفكير. يحدث ذلك حين يصبح العقل معتادًا على السرعة، والاختصار، والإثارة اللحظية، فيفقد قدرته على الصبر، والتحليل، والتأمل.

في السابق، كان الملل يدفع الإنسان للبحث، أو القراءة، أو التفكير، أو حتى مراقبة الحياة من حوله. أما اليوم، فأصبح الملل يُقتل بضغطة زر. لحظة صمت واحدة أصبحت مزعجة، ودقيقة انتظار تحولت إلى فرصة لفتح الهاتف. وهكذا، شيئًا فشيئًا، تراجعت علاقتنا بالتركيز الحقيقي.

أخطر ما في التعفن الدماغي أنه لا يظهر فجأة. لا يستيقظ الإنسان يومًا ليجد نفسه فارغ الفكر بشكل واضح، بل يبدأ الأمر بتشتت بسيط، ثم ضعف في الذاكرة، ثم صعوبة في إنجاز المهام، ثم نفور من أي شيء يحتاج جهدًا ذهنيًا. يصبح المقال الطويل مملًا، والكتاب ثقيلًا، والحوار العميق مرهقًا.

وقد نلاحظ ذلك في تفاصيل يومية صغيرة: شخص لا يستطيع مشاهدة مقطع يتجاوز دقيقة، وآخر يقرأ العنوان فقط ثم يظن أنه فهم الموضوع، وثالث ينتقل بين التطبيقات كل بضع ثوانٍ دون سبب. المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في طريقة استخدامها، حين تتحول من وسيلة نافعة إلى استنزاف مستمر للعقل.

والأدهى من ذلك أن هذا النوع من الاستهلاك يجعل الإنسان يشعر بأنه مشغول ومنتج، بينما هو في الحقيقة يستقبل كمًا هائلًا من المعلومات غير المفيدة. يمتلئ الرأس، لكن دون معرفة حقيقية. ينشغل الذهن، لكن دون وعي.

في رأيي، التعفن الدماغي من أخطر مشكلات هذا العصر لأنه لا يهاجم الجسد، بل يهاجم قدرتنا على التفكير. وما يفقده الإنسان من تركيزه ووعيه أصعب بكثير مما يفقده من وقته. لذلك نحتاج أن نعيد تدريب عقولنا على القراءة، وعلى الصمت، وعلى التركيز، وعلى اختيار ما نستهلكه يوميًا. فالعقل مثل الأرض، إن لم نزرعه بالنافع… امتلأ بما يفسده.