حين يكتب الذكاء ويصمت القلم
في إحدى غرف الأخبار لم يكن الصوت الأعلى هذه المرة لضجيج الهواتف أو استعجال المحررين، بل لصمتٍ مختلف صمت شاشة تكتب بضغطة زر حيث ظهر خبرٌ مكتمل الصياغة وعنوانٌ جذاب ومتن للخبر متماسك كأنه كُتب بعناية صحفي متمرس لحظة قصيرة لكنها كافية لتثير سؤالًا عميقًا: من يكتب الآن فعلًا؟
فلم يكن المشهد صادمًا بقدر ما كان
كاشفًا فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تُستخدم، بل أصبح حاضرًا في قلب
العملية الإعلامية فهو يشارك في الصياغة ويقترح الزوايا ويختصر الوقت ومع هذا
الحضور بدأت ملامح المهنة تتغير بهدوء؛ فلم تعد القصة تبدأ من الميدان فقط، بل من
البيانات أيضًا ولم يعد الخبر ينتظر من يكتبه، بل من يراجعه.
ومع مرور الوقت بدا أن التحدي الحقيقي
لم يكن في سرعة الآلة، بل في بطء الإنسان في إعادة تعريف دوره فبينما تتقن الرموز
والآلات ترتيب الكلمات يبقى السؤال: من يمنحها المعنى؟ وهنا يتسلل القلق إلى
المهنة وذلك ليس خوفًا من الاختفاء، بل من الذوبان من أن يتحول الصحفي إلى مجرد
مُشغّل لا صانع قرار.
ولكن في المقابل تكشف التجربة جانبًا
آخر أكثر عمقًا؛ فكلما ازدادت دقة الآلة ازدادت الحاجة إلى إنسان يطرح السؤال
الصحيح فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخبرك بما يحدث، لكنه لا يسأل: لماذا يحدث؟
ولا يتوقف على ما بين السطور ولا يشعر بثقل بعض القصص التي لا تُقاس بالأرقام.
ففي هذه المساحة تحديدًا يستعيد
الإعلام معناه الحقيقي ليس بوصفه وسيلة لنقل الخبر فقط، بل كمسؤولية في فهمه،
وتأطيره، وتقديمه بوعي فلا تكون المنافسة بين الإنسان والآلة، بل بين سطحية السرعة
وعمق الفهم.
ومع تكرار هذا المشهد داخل غرف الأخبار
يتشكل وعي جديد؛ وعي لا يرفض التقنية ولا ينبهر بها حدّ التبعية، بل يتعامل معها
كأداة تحتاج إلى من يضبط إيقاعها، فالإعلام في جوهره لا يُقاس بقدرة أجهزته، بل
بقدرة من يقف خلفها على إدراك ما لا تقوله.
وأخيرا أتسائل دائما هل سيأتي يوم
تُكتب فيه الأخبار كاملة بلا تدخل بشري؟ ولكن أجده أنه حتى لو كانت الإجابة
نعمسيبقى هناك دائمًا ما لا تستطيع الآلة أن تكتبه فذلك الجزء الذي لا يُرى، ولا
يُحسب لكنه وحده من يستحق أن يروى.