استبصار
مقالات مقال

الذكاء الاصطناعي.. قنبلة بيئية موقوتة

2026/05/10 13:27 8 مشاهدة بقلم : رغد الحربي
الذكاء الاصطناعي.. قنبلة بيئية موقوتة

ثمة مفارقة لا يتوقف عندها كثيرون حين يُطلقون أحكامهم المتحمسة على الذكاء الاصطناعي بوصفه الخلاص التقني للبشرية، فبينما تُبهر الشاشاتُ الأعينَ بوعود لا تنتهي عن عالم أكثر ذكاءً وكفاءة، يتصاعد خلف هذا البريق دخانٌ رقمي لا يُرى، تتراكم فيه ديونٌ بيئية ستُسدَّد من رصيد الأرض لا من أرباح الشركات.


لا تنبع الأزمة من الخيال، بل من أرقام باتت علنية لمن أراد أن يقرأها بعين غير مبهورة، تدريبُ نموذج لغوي واحد من نماذج الجيل الحديث يستهلك طاقةً كهربائية توازي ما تستهلكه مئات المنازل على مدى سنوات كاملة، أما مراكز البيانات العملاقة التي تحتضن هذه النماذج وتُشغّلها على مدار الساعة، فهي تلتهم اليوم ما يقارب ثلاثة بالمئة من إجمالي الطاقة الكهربائية المنتجة في العالم، وهي نسبة لا تبدو كبيرة في ظاهرها، غير أن المسارات الراهنة تُنذر بتضاعفها بحلول نهاية هذا العقد إذا ظلّ الإفراط في الاستهلاك دون رادع أو تنظيم، وإلى جانب استنزاف الطاقة، تعطش هذه المراكز إلى ملايين اللترات من المياه يومياً للتبريد، في وقت تئنّ فيه مناطق واسعة من العالم تحت وطأة الجفاف.


ولا تنتهي الصورة عند هذا الحدّ، إذ تكشف طبقة أعمق من الأزمة عن نفسها في مكبّات النفايات الإلكترونية، فالسباق المحموم بين شركات التقنية لإنتاج رقائق ومعالجات أكثر قدرةً يعني بالضرورة إهلاكاً أسرع للأجهزة واستبدالاً مستمراً للمعدات، مما يُفضي إلى تراكم أطنان من المخلّفات الإلكترونية التي تحتوي على معادن ثقيلة ومواد سامة تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية حين لا يجد المجتمع لها حلولاً نهائية، والمفارقة المُرّة أن المستخدم العادي حين يضغط على زر لتوليد صورة أو الحصول على إجابة لا يرى شيئاً من هذا كله، بينما خلف كل ضغطة زر تدور محركات، وتُصرف طاقة، وتتقاطر مياه، وتُنتج حرارة تصعد إلى غلافٍ جوي لا طاقة له على المزيد.


وأمام هذا المشهد، أرى أن أخطر ما قد يرتكبه هذا الجيل هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره نعمةً مجانية لا ثمن لها، لا توجد تقنية بلا كلفة، وما نُحجم عن دفعه اليوم من وعيٍ وتنظيم وضبط نفس، سندفعه غداً من مواردنا ومناخنا وصحة أجيال لم تُولد بعد، التقنية العظيمة لا تُقاس فقط بما تُنجزه، بل بما تحافظ عليه، ومعيار الحضارة الحقيقي ليس في سرعة الابتكار، بل في قدرتها على إبداع التوازن، ولعل الوقت قد حان لأن يُعيد المنظّمون الدوليون وشركات التكنولوجيا الكبرى النظر في نماذج عملهم، إذ لا معنى لذكاء يصنع المستقبل إن كان يحرق الأرض التي سيقوم عليها ذلك المستقبل.


يقف العالم اليوم أمام اختبار أخلاقي وتقني في آنٍ واحد، هل نسمح للثورة الرقمية بأن تتحول إلى عبء بيئي يُضاف إلى فاتورة لم تُسدَّد بعد، أم نمتلك الشجاعة والإرادة لرسم مسار أكثر توازناً ومسؤولية؟ الإجابة لن تأتي من الخوارزميات، بل من البشر الذين يملكون زمام القرار، والذكاء الحقيقي، في نهاية المطاف، هو ذلك الذي لا يبني الغد على أنقاض اليوم.