الذكاء الاصطناعي والإعلام
الخبر
الذي تقرأه الآن، هل توقفت لحظة لتتساءل من كتبه؟ يدٌ بشرية أمضت ليلها تتحرى
وتراجع وتصيغ، أم خوارزمية أنجزت المهمة في ثوانٍ معدودة دون أن تتعب أو تشكّ أو
تتألم؟ السؤال لم يعد نظرياً يُطرح في الندوات الأكاديمية، بل صار يطرق أبواب غرف
الأخبار كل صباح، ويجلس على مكاتب المحررين كضيف لم يُدعَ ولن يغادر.
دخل
الذكاء الاصطناعي قطاع الإعلام بهدوء مريب، لم يأتِ بإعلان أو مؤتمر صحفي، بل
تسلّل تدريجياً عبر أدوات المساعدة في الكتابة، ثم منصات التحرير الآلي، ثم توليد
المحتوى من الصفر، وقبل أن يلتفت الصحفيون إلى ما يجري، كانت مؤسسات إعلامية كبرى
قد أوكلت إليه تغطية التقارير المالية والنتائج الرياضية والنشرات الجوية، مكتفيةً
بمراجعة بشرية خفيفة لا تتجاوز دقائق، وما بدأ استثناءً صار نمطاً، وما كان تجربةً
صار سياسة تحريرية.
ولعلّ
الأكثر إثارةً للقلق ليس ما يصنعه الذكاء الاصطناعي، بل ما يُعيد تشكيله في طبيعة
الصحفي نفسه، فالصحافة في جوهرها علاقة إنسانية؛ صحفي يستمع بأذن مرهفة، يقرأ ما
بين السطور، يشعر بثقل كلمة قبل أن يكتبها، يحمل وجع قضية قبل أن يُحوّلها خبراً،
هذه الطبقة الإنسانية الدقيقة هي ما تعجز عنه الخوارزمية مهما بلغت دقّتها، لكن
المشكلة أن السوق لا يُقدّر دائماً ما لا يُقاس، وحين يُنجز الذكاء الاصطناعي
التقرير بعُشر التكلفة، يجد المحرر نفسه مضطراً لتبرير وجوده لا بالجودة فحسب بل
بمعادلة ربحية باردة.
والتحديات
الأخلاقية هنا أعمق مما تبدو عليه، فالذكاء الاصطناعي لا يكذب بوعي لكنه يُخطئ
بثقة مُربكة، ويُنتج محتوى يبدو صحيحاً وهو مُشوَّه، وحين يُنشر هذا المحتوى باسم
مؤسسة إعلامية موثوقة، تتآكل الثقة التي بنتها تلك المؤسسة على مدى عقود، بالإضافة
إلى ذلك أن التحيّز مدفون في بيانات تدريب لا يراها القارئ ولا يُدركها المحرر،
فتجد نفسك أمام محتوى يبدو موضوعياً وهو يحمل في طياته انحيازاً صامتاً.
أنا
شخصياً لا أقف في خندق الرفض المطلق ولا في خندق الاحتفاء الأعمى، الذكاء
الاصطناعي أداة قوية حين تضعها في يد صحفي واعٍ يعرف ما يريد، وخطر حقيقي حين تجعل
منه بديلاً عن التفكير النقدي، الفرق بين الحالتين يحدده وعي المؤسسات الإعلامية
بمسؤوليتها، وإصرار الصحفيين على أن يظلوا أصحاب القرار لا مجرد مراجعين لما
أنتجته الآلة، وهذا الوعي لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُبنى بتدريب ونقاش مستمر
وسياسات تحريرية واضحة.
الفرصة
الحقيقية التي يتيحها هذا التحوّل هي أن يتحرر الصحفي من الأعباء الروتينية التي
كانت تسرق وقته، ويتفرغ لما لا تستطيعه الآلة: التحقيق المعمّق، والقصة الإنسانية،
والسؤال الذي يُزعزع، والحضور الميداني الذي لا يُعوَّض، الصحافة الحقيقية لم تكن
يوماً في سرعة الإنجاز، بل في عمق الأثر.
إن
المعركة ليست بين الصحفي والآلة، بل بين صحافة تعرف لماذا تُوجد وصحافة لا تعرف
إلا أنها تُنتج، حين تبقى الأولى صاحبة القرار، يصبح الذكاء الاصطناعي حليفاً لا
غنى عنه، وحين تتراجع لصالح الثانية، لا تخسر المهنة وظائف فحسب بل تخسر معناها.