استبصار
مقالات مقال

مجاني.. وفاتورته عقولنا

2026/05/10 13:34 8 مشاهدة بقلم/ تهاني السحيمي
مجاني.. وفاتورته عقولنا

 في العصر الرقمي لم يعد هناك شيء يثير الاطمئنان أكثر من كلمة "مجاني". فهذه الكلمة تبدو كأنها وعد صغير بالنجاة من كلفة العالم معها خدمة ذكية، مساعدة فورية، إنتاج أسرع، وصياغة جاهزة، من دون أن يمد أحد يده إلى جيبك؛ هكذا دخل الذكاء الاصطناعي إلى الحياة اليومية لا كاختراع تقني فحسب، بل كإغراء يومي يختصر الوقت ويخفف الجهد ويغوي الإنسان بأن يسلّم له أكثر مما يظن. 

المشكلة أن المجانية، في هذا المجال تحديدًا، لا تعني غياب الثمن، بل تعني فقط أن الثمن لا يُدفع بالطريقة القديمة. فهذه الأدوات لا تكتفي بأن تخدمنا؛ إنها تتغذى علينا أيضًا. وما نمنحه لها ليس مجرد أوامر عابرة أو أسئلة سريعة، بل شيء أكثر قيمة. أننا نمنحها الطريقة التي نفكر بها ونحن نكتب، والمنطق الذي نرتب به أفكارنا، واللغة التي نصوغ بها رغباتنا واعتراضاتنا وقلقنا المهني واليومي. والبعض من كبرى المنصات الاستهلاكية توضح صراحة أن محتوى المستخدمين قد يُستخدم لتحسين النماذج وتطويرها، مع تفاوت في الإعدادات والضوابط من خدمة إلى أخرى، وهو ما يكشف أن العلاقة ليست بين مستخدم وأداة فحسب، بل بين عقل بشري ومنظومة تتعلم منه باستمرار.

لهذا لا تبدو المسألة شبيهة بما عرفناه سابقًا في عالم المنصات، حين كان المستخدم يقدم بياناته وانتباهه في مقابل خدمة ظاهريًا مجانية. هنا نحن أمام مستوى أعمق من التبادل. فالذكاء الاصطناعي لا يريد فقط أن يعرف ماذا نفعل، بل كيف نفكر. ولكي يكون أكثر فائدة، يطلب المزيد من السياق. نرفع له المسودة كي يحسنها، والرسالة كي يعيد صياغتها، والخطة كي ينظمها، والملف كي يختصره، والمشكلة كي يقترح لها مخرجًا. ومع كل مرة نفعل فيها ذلك، نمنحه شيئًا من خبرتنا وحدسنا وحكمنا على الأشياء.

من هنا تحديدًا تبدأ المفارقة. نحن نلجأ إلى هذه الأدوات باسم الكفاءة، فنكسب سرعةً لا شك فيها. لكننا، في الوقت نفسه، نشارك في تدريبها على المهارات ذاتها التي نستعين بها من أجل التخفيف عن أنفسنا. فالكاتب يطلب منها أن تصقل عبارته، فيعلمها كيف تُصقل العبارة. والمصمم يطلب منها توسيع الخيال، فيغذيها بما يجعلها أقرب إلى الذائقة البشرية. والموظف يكلفها بالفرز والاختصار والترتيب، فيمنحها منطق العمل الذي صنع خبرته.

لسنا هنا أمام خدمة مجانية بالمعنى البسيط، بل أمام اقتصاد جديد تُستخرج فيه القيمة من الإنسان وهو يظن أنه يستهلكها فقط. والأهم من ذلك أن ما يُنتزع منا لا يقتصر على المعلومات، بل يمتد إلى ما هو أرفع من المعلومات: الأسلوب، والخيال، والتمييز، وطريقة بناء المعنى. هذه الأدوات لا تتعلم من إجاباتنا وحسب، بل من ترددنا أيضًا، من تصحيحاتنا، من اعتراضاتنا على الصياغة الضعيفة، ومن حرصنا على أن تبدو الجملة أكثر دقة والاقتراح أكثر إقناعًا. نحن لا نملأ خزاناتها بالبيانات فقط؛ نحن نمدّها، على مهل، بملامح العقل البشري وهو يعمل.

لا معنى، بالطبع، لدعوة ساذجة إلى الخوف من الذكاء الاصطناعي أو الانسحاب من زمنه. فهذه الأدوات أصبحت جزءًا من الحياة والعمل والمعرفة. لكن ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس القطيعة معها، بل اليقظة في التعامل معها. أن يعرف أن "المجاني" ليس بريئًا إلى هذا الحد، وأن الراحة التي تمنحها هذه الأدوات لا تأتي من فراغ، بل من قيمة تتراكم في مكان آخر، قوامها نحن.

ليست القضية أن الذكاء الاصطناعي مجاني، بل ماذا يدفع في المقابل. والجواب، على الأغلب، ليس المال. الجواب أننا، ونحن نكتب له ونصحح ونشرح ونفصل، لا نقدم له وقتنا فقط، بل نقدم له ما هو أندر: عقولنا.