استبصار
التزييف العميق تقرير

تأثير التزييف العميق على تشكيل الراي العام ونشر التضليل والأخبار الكاذبة

2026/05/10 14:49 18 مشاهدة إعداد : فاطمة المعيرفي / تهاني السحيمي
تأثير التزييف العميق على تشكيل الراي العام ونشر التضليل والأخبار الكاذبة

لم تعد مقولة رؤية الشيء تعني تصديقه قاعدة ذهبية يمكن الاستناد إليها في غرف التحرير الحديثة أو في أروقة صنع القرار السياسي أو حتى في تفاعلاتنا اليومية البسيطة في عصر تتشابك فيه التكنولوجيا المتقدمة مع حرب المعلومات المعقدة، برز التزييف العميق (Deepfakes) كأحد أشد الأسلحة فتكاً وتأثيراً في ترسانة التضليل الإعلامي المعاصر.

إن القدرة الفائقة على تخليق مقاطع فيديو وصوتيات وصور لأشخاص يقولون أو يفعلون أشياء لم تحدث قط وبدقة متناهية تعجز العين البشرية عن كشفها قد أدخلت البشرية في أزمة معرفية حقيقية تهدد نسيج الحقيقة ذاته. لم يعد الأمر مقتصراً على الخدع البصرية الترفيهية العابرة التي عرفها العالم في بدايات العقد الماضي، بل تحول إلى صناعة قائمة بذاتها تستهدف تزييف الوعي الجماعي وتوجيه الرأي العام وابتزاز المؤسسات والتلاعب بالأسواق المالية وتقويض العمليات الديمقراطية.

التزييف العميق هو مجموعة فرعية محددة ومتقدمة جداً من هذه الوسائط تركز بشكل حصري على التلاعب بالمعلومات المرئية أو السمعية لتغييرها أو استبدالها بشكل مقنع. وتعتمد هذه التقنية على خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية التي تقوم بتحليل مجموعات بيانات ضخمة من الصور ومقاطع الفيديو والصوتيات للشخص المستهدف.

تقوم هذه الخوارزميات بدراسة أدق التفاصيل: تعابير الوجه، حركة الشفاه، نبرة الصوت، وأنماط السلوك، لتقوم بعدها بتركيب هذه الخصائص على مقطع فيديو آخر بكل سلاسة، مما يتيح استبدال وجه شخص بآخر، أو جعل شخص ينطق بكلمات لم يقلها قط.

ومع التطور السريع والمستمر أصبحت تقنيات التزييف العميق أكثر سهولة في الوصول إليها لم يعد إنشاء مقطع فيديو مزيف حكراً على استوديوهات هوليوود أو خبراء البرمجة بل تتوفر اليوم أدوات مفتوحة المصدر وتطبيقات تجارية تجعل من الممكن لأي شخص تقريباً إنشاء محتوى مزيف، مستفيداً من الكم الهائل من البيانات الشخصية والصور المتاحة للجمهور على منصات التواصل الاجتماعي.

كما ووضح الإعلامي احمد الحربي بأن تأثير التزييف العميق على المجتمع وعلى ثقتهم بالمادة المطروحة بسبب التلاعب بالصوت والفيديوهات المزيفة وبعد وجوده اصبح الجمهور لايملك الثقة بالمحتوى وهنا تكمن الخطورة بفقدان الثقة والمصداقية ، ولاشك انه اصبح يهدد الرأي العام ، لسهولة انتشاره وسهولة استخدامه والتلاعب بالمحتوى وتغيير أهدافه ومعانيه الاساسية

يأتي هذا التقرير الصحفي ليسلط الضوء على ظاهرة التزييف العميق من جذورها التقنية متتبعاً مسارات نموها الانفجاري وآليات توظيفها السيكولوجية في هندسة الرأي العام الرقمي عبر ما يُعرف بـغرف الصدى والخوارزميات المعقدة. نستعرض في هذا التقرير أبرز القضايا والوقائع التي شهدها العالم ومنطقة الشرق الأوسط خلال عامي 2024 و2025 محاولين تفكيك السرديات المبالغ فيها حول نهاية العالم الديمقراطي. كما نسلط الضوء على الأدوات التقنية والتشريعية المتاحة للصحفيين والمؤسسات لمجابهة هذا الخطر الزاحف، وصولاً إلى استشراف مستقبل الحقيقة في ظل سيادة الذكاء الاصطناعي التوليدي، معتمدين في كل ذلك على أحدث البيانات الأكاديمية والمؤسسية الموثقة.

لفهم حجم التهديد الذي يمثله التزييف العميق، يجب أولاً تفكيك الآلية التقنية التي يقف عليها. ينضوي التزييف العميق تحت مظلة أوسع تُعرف بـالوسائط الاصطناعية، وهو مصطلح شامل يصف أي نوع من المحتوى سواء كان فيديو، أو صورة، أو نص، أو صوت تم إنشاؤه جزئياً أو كلياً باستخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وتتراوح أشكال هذه الوسائط من الموسيقى والنصوص المكتوبة آلياً بواسطة برامج مثل ChatGPT إلى الصور المولدة حاسوبياً والواقع الافتراضي والواقع المعزز وتخليق الأصوات.

التزييف العميق هو مجموعة فرعية محددة ومتقدمة جداً من هذه الوسائط تركز بشكل حصري على التلاعب بالمعلومات المرئية أو السمعية لتغييرها أو استبدالها بشكل مقنع. وتعتمد هذه التقنية على خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية التي تقوم بتحليل مجموعات بيانات ضخمة من الصور ومقاطع الفيديو والصوتيات للشخص المستهدف.

تقوم هذه الخوارزميات بدراسة أدق التفاصيل: تعابير الوجه، حركة الشفاه، نبرة الصوت، وأنماط السلوك، لتقوم بعدها بتركيب هذه الخصائص على مقطع فيديو آخر بكل سلاسة، مما يتيح استبدال وجه شخص بآخر، أو جعل شخص ينطق بكلمات لم يقلها قط.

وعلى النقيض من ذلك، يوجد مصطلح آخر أقل شهرة، ولكنه شديد الخطورة وهو التزييف السطحي. في هذا النوع لا يتم استخدام الذكاء الاصطناعي المعقد، بل يتم التلاعب بالوسائط باستخدام أدوات تحرير بسيطة مثل إبطاء سرعة الفيديو أو تغيير طبقة الصوت أو اقتطاع المشاهد من سياقها. ومن أبرز الأمثلة التاريخية على ذلك ما حدث في مايو 2019 عندما تم تداول مقطع فيديو لرئيسة مجلس النواب الأمريكي آنذاك نانسي بيلوسي تم إبطاء سرعته بنسبة 75% وتعديل طبقة الصوت ليبدو وكأنها في حالة سكر وهو ما أثبت أن التضليل الفعال لا يحتاج دائماً إلى تقنيات ذكاء اصطناعي متطورة.

ومع التطور السريع والمستمر أصبحت تقنيات التزييف العميق أكثر سهولة في الوصول إليها لم يعد إنشاء مقطع فيديو مزيف حكراً على استوديوهات هوليوود أو خبراء البرمجة بل تتوفر اليوم أدوات مفتوحة المصدر وتطبيقات تجارية تجعل من الممكن لأي شخص تقريباً إنشاء محتوى مزيف، مستفيداً من الكم الهائل من البيانات الشخصية والصور المتاحة للجمهور على منصات التواصل الاجتماعي.

لغة الأرقام: الانفجار الكمي والنوعي للظاهرة

إن مراقبة مسار نمو التزييف العميق تكشف عن تسارع دراماتيكي يتجاوز التوقعات التقليدية لأمن المعلومات. لقد تحولت الظاهرة من مجرد إنتاجات فردية إلى صناعة تعتمد على المقياس الصناعي للاحتيال وابتزاز الأموال والتلاعب. وتؤكد الإحصاءات الحديثة أن هذا التهديد ليس في طور النمو الخطي، بل يشهد انتشاراً فيروسياً يتفوق على وتيرة تطور معظم التهديدات السيبرانية الأخرى، مما يخلق بيئة معلوماتية شديدة التلوث.

في عام 2023 تم رصد وتداول ما يقرب من 500,000 ملف تزييف عميق (صوتي ومرئي) عبر منصات التواصل الاجتماعي حول العالم. ومع دخولنا عام 2025 قفز هذا الرقم بشكل هائل ليصل إلى 8 ملايين ملف مشارك عبر الإنترنت. هذا الرقم يمثل معدل نمو سنوي مرعب يبلغ 900%، حيث تتضاعف أعداد مقاطع الفيديو المزيفة كل بضعة أشهر، وتتضاعف الهجمات المرتبطة بالتزييف العميق كل شهر تقريباً.

علم النفس الاجتماعي: كيف تبتلع غرف الصدى عقول الجماهير؟

في دراسة معمقة نشرتها مجلة "الرسالة" للدراسات الإعلامية (نوفمبر 2023) للدكتور دبيح يوسف من جامعة 20 أوت 1955 بالجزائر، تم تفكيك العلاقة المعقدة بين الذكاء الاصطناعي وتشكيل الرأي العام الرقمي. توضح الدراسة أن الرأي العام كان يتشكل سابقاً في الفضاء العمومي التقليدي ويخضع لآليات تفرضها أطراف محددة كالسلطة أو وسائل الإعلام الجماهيرية. ولكن في العقد الأخير، تغيرت المعادلة جذرياً؛ إذ باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الشبكات الاجتماعية تملك من القوة والتأثير ما يفوق المؤسسات التقليدية، لتصبح هي الأمر الناهي في تشكيل المواقف العامة.

وتعتمد هذه المنصات في عملها على آلية تُعرف بـغرف الصدى تعمل الخوارزميات (على منصات مثل فيسبوك وتلغرام وكلوب هاوس) على تتبع سلوك المستخدم وحصره في محتوى يتوافق تماماً مع أفكاره وميوله واهتماماته السابقة. هذا العزل المعلوماتي يخلق لدى الفرد ما يُسمى بـوهم التوافق حيث يعتقد، من خلال تفاعله المستمر مع من يشبهونه في التفكير فقط، أن آراءه تحظى بإجماع واسع النطاق. يؤدي هذا إلى تشويه منظور الفرد للواقع ويجعله أعمى عن رؤية وجهات النظر المعارضة.

موت الحقيقة وأرباح الكاذب

في تحليل نشره معهد بروكينغز يوضح الخبراء أن التزييف العميق يربك فهمنا للحقيقة لكونه يستغل ميلنا البشري الفطري للثقة في الأدلة التي نراها بأعيننا، محولاً الخيال إلى واقع مرئي محسوس. ولكن الأثر الارتدادي والتبعي هو ما يثير قلق علماء الاجتماع بشكل أعمق: فكلما تزايد وعي الجمهور بوجود ظاهرة التزييف العميق وخطورتها، انحسرت ثقتهم تدريجياً في جميع الوسائط المرئية والمسموعة، بما في ذلك مقاطع الفيديو الجديرة بالثقة والحقيقية تماماً. الحقيقة ذاتها تصبح مراوغة، لأننا نعيش في حالة شك دائم.

هذه الحالة المعرفية المعقدة يطلق عليها الأكاديميون والخبراء مصطلح "أرباح الكاذب". هذه النظرية توفر درع واقي وتذكرة خروج مجانية للسياسيين والمجرمين والأنظمة القمعية. إذا ظهر مقطع فيديو حقيقي وموثق يُظهر شخصية عامة ترتكب سلوكاً غير قانوني، أو تنخرط في فساد، يمكن لتلك الشخصية ببساطة أن تدعي أن المقطع ليس سوى "تزييف عميق" استهدف الإطاحة بها. في بيئة تفتقر للثقة، وفي ظل صعوبة التحقق الفوري المتاح للعامة، يصبح النفي مقنعاً لقطاع واسع من الجمهور. وهنا، كما عبرت إحدى الأوراق البحثية بقسوة ودقة: "التزييف العميق هو المكان الذي تذهب إليه الحقيقة لتموت".

في الختام، لم يعد التزييف العميق مجرد ابتكار تقني عابر أو أداة ترفيهية طائشة، بل هو أداة دمار شامل للموثوقية المعلوماتية والثقة العامة. إن تضافر قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على هندسة واقع مرئي ومسموع شديد الزيف، مع استراتيجيات التضليل الممنهجة وعمليات الاستهداف السياسي، وتوظيف الخوارزميات التي تعزل الأفراد في "غرف صدى" فكرية عمياء؛ يضع المجتمعات البشرية والأنظمة الديمقراطية أمام اختبار إبستمولوجي وأمني غير مسبوق.


content_20260510_144616_56aeebf76a87.png

لقطة الشاشة 2026-05-10 174506.png


https://new.express.adobe.com/webpage/xu6D8nIBjN4LZ 

المصادر:

المصادر العربية:

  1. الرسالة للدراسات الإعلامية. (2023). استخدام تقنية التزييف العميق وآلية غرفة الصدى في التلاعب بالرأي العام الرقمي عبر الشبكات الاجتماعية (إعداد د. دبيح يوسف). استرجع من: https://alqarar.sa/7870
  2. مركز الجزيرة للدراسات. (2025). استخدامات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في قياس اتجاهات الرأي العام وتأثير المعلومات المضللة (إعداد د. عبد الكريم علي الدبيسي). استرجع من: https://studies.aljazeera.net/ar/article/6246
  3. الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا). (2025). التزييف العميق: المخاطر والفرص المحتملة. استرجع من: https://sdaia.gov.sa/ar/MediaCenter/KnowledgeCenter/ResearchLibrary/DeepfakeStudy.pdf  ومقال وكالة الأنباء السعودية (واس): https://spa.gov.sa/N2393685
  1. سكاي نيوز عربية (Sky News Arabia). (2024). واقعة التزييف العميق في الانتخابات الأمريكية. استرجع من: https://www.youtube.com/watch?v=SBg-k7pOqKo

المصادر الأجنبية:

  1. المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF). (2025). Deepfakes: a different threat than we expected. استرجع من: https://www.weforum.org/stories/2025/01/deepfakes-different-threat-than-expected/
  2. مؤتمر ميونيخ للأمن (MSC). (2024). AI-pocalypse? Disinformation in the Super-Election Year. استرجع من: https://securityconference.org/en/publications/analyses/ai-pocalypse-disinformation-super-election-year/
  3. معهد بروكينغز (Brookings). (2019/2020). Artificial intelligence, deepfakes, and the uncertain future of truth (By John Villasenor). استرجع من: https://www.brookings.edu/articles/artificial-intelligence-deepfakes-and-the-uncertain-future-of-truth/
  4. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS). (2024). Crossing the Deepfake Rubicon. استرجع من: https://www.csis.org/analysis/crossing-deepfake-rubicon
  5. الاتحاد الأوروبي - المبادرة الأوروبية للذكاء الاصطناعي (EU AI Act). (2025/2026). The Artificial Intelligence Act: High-level summary & Regulatory Framework. استرجع من: https://artificialintelligenceact.eu/ و https://digital-strategy.ec.europa.eu/en/policies/regulatory-framework-ai
  1. جامعة تكساس - مركز المشاركة الإعلامية. (2024). Deepfakes Fuel Misinformation in 2024 Elections (Interview with Dr. Samuel Woolley). استرجع من: https://www.strausscenter.org/news/deepfakes-fuel-misinformation-in-2024-elections/
  2. صحيفة الغارديان (The Guardian). (2026). Deepfake fraud taking place on an 'industrial scale', study finds. استرجع من: https://www.theguardian.com/technology/2026/feb/06/deepfake-taking-place-on-an-industrial-scale-study-finds
  3. شبكة الصحافة الاستقصائية العالمية (GIJN). (2025). A Journalist’s Guide to Detecting AI-Generated Content. استرجع من: https://gijn.org/resource/guide-detecting-ai-generated-content/
  4. مجلة كولومبيا للصحافة (CJR). (2025). What Journalists Should Know About Deepfake Detection Technology in 2025. استرجع من: https://www.cjr.org/tow_center/what-journalists-should-know-about-deepfake-detection-technology-in-2025-a-non-technical-guide.php
  5. مركز تريندز للبحوث والاستشارات (Trends Research). (2024). AI-Driven Influence Operations: Threats to Middle Eastern Information Sovereignty. استرجع من: https://trendsresearch.org/insight/ai-driven-influence-operations-threats-to-middle-eastern-information-sovereignty-in-the-age-of-synthetic-media/
  6. مرصد مكافحة الجريمة المنظمة (Global Initiative). (2024). Deepfakes, AI and cyber scams in South East Asia. استرجع من: https://globalinitiative.net/analysis/deepfakes-ai-cyber-scam-south-east-asia-organized-crime/
  7. جامعة نورث وسترن (Northwestern University). (2024). Free Deepfake detection system is now live for journalists. استرجع من: https://news.northwestern.edu/stories/2024/july/deepfake-detection-system-is-now-live/?fj=1
  8. منصة مؤتمرات تيد (TED Talks). (2023/2024). Deepfakes unveiled: The dark side of AI and the future of truth (By Dr. Mirza Omer Beg). استرجع من: https://www.ted.com/talks/omer_beg_deepfakes_unveiled_the_dark_side_of_ai_and_the_future_of_truth
  9. تقرير الأمن والذكاء الاصطناعي (Deepstrike). (2025). Deepfake Statistics 2025: AI Fraud Data & Trends. استرجع من: https://deepstrike.io/blog/deepfake-statistics-2025
  10. المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية والدولية (RSIS). (2024). Deepfakes and the Dangers to National Security and Defence. استرجع من: https://rsis.edu.sg/rsis-publication/rsis/deepfakes-and-the-dangers-to-national-security-and-defence/

  1. تحليلات الصناعة والاحتيال الرقمي (ComplyCube & Sumsub). (2024/2025). Identity Fraud Report and Deepfake Impact. استرجع من: https://www.complycube.com و https://www.infosecurity-magazine.com/news/ai-deepfake-fraud-skyrockets/