استبصار
إدراك رقمي تحقيق

وباء الكسل الفكري: هل يربي الذكاء الاصطناعي جيلاً يعجز عن التفكير؟

2026/05/10 20:02 9 مشاهدة إعداد: رغد الحربي / تهاني السحيمي / مياده الصاعدي
وباء الكسل الفكري: هل يربي الذكاء الاصطناعي جيلاً يعجز عن التفكير؟

في الماضي القريب كان إعداد ورقة بحثية يتطلب ساعات من القراءة والتنقيب في بطون الكتب وعصفاً ذهنياً مرهقاً للخروج بفكرة أصيلة. لكن اليوم، وبضغطة زر واحدة تُنجز تطبيقات الذكاء الاصطناعي المهمة في ثوانٍ معدودة. ولكن، خلف هذه السهولة المُغرية ثمن باهظ ندفعه في كل مره بصمت؛ فبينما تتضخم قدرات الآلة، يبدو أن عقولنا بدأت تركن إلى إجازة مفتوحة. فهل تحول المساعد الذكي (الذكاء الاصطناعي) إلى بديل عن التفكير البشري؟ وهل نحن أمام جيل يفقد تدريجياً مهارات البحث والتحليل والنقد ومهارة التعبير عن الذات؟

أرقام تكشف المستور

في محاولة منا لفهم أظهر استبيان استقصائي أُجري على عينة عشوائية من طلاب وطالبات الجامعات، وشمل تخصصات متنوعة تتراوح بين العلوم الإنسانية والطبية والهندسية، أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لم يعد حالة فردية، بل "روتيناً يومياً". الشريحة الأكبر من المشاركين أكدت استخدامها لهذه الأدوات بشكل "يومي ولا يمكن الاستغناء عنه"، مبررين ذلك بضيق الوقت وكثرة التكاليف الجامعية المطلوبة.

لكن المؤشر الأكثر خطورة الذي كشفه الاستطلاع، هو الجانب الإدراكي؛ حيث اعترف نسبة كبيرة من الطلاب بأنهم "أصبحوا يواجهون صعوبة كبيرة في استدعاء الكلمات وبناء الأفكار بأنفسهم" عند محاولة كتابة أي نص بدون مساعدة التقنية، في إشارة واضحة إلى بدء ظهور أعراض "الكسل الفكري".

قصص من الميدان: الآلة تورط أصحابها!

الاعتماد الأعمى على هذه الأدوات لم يمر دون كوارث أكاديمية بنكهة كوميدية. في اعترافات صريحة، روت إحدى الطالبات كيف قامت بنسخ ولصق بحث كامل ولّده (ChatGPT)، لتكتشف بعد التسليم أنها نسخت حتى العبارة التلقائية للبرنامج: "إليك بعض الاقتراحات من شات جي بي تي"!

وفي واقعة أخرى، شاركت إحدى الطالبات قصة زميلتها التي طُلب منها واجب حول مصفوفة الجودة الإدارية المعروفة بـ (House of Quality)، فكتبت لها الأداة مقالاً هندسياً حول "كيفية بناء منزل بجودة عالية!"، وقامت الطالبة بتسليمه للأساتذة دون قراءته.

الأمر لم يتوقف عند الأخطاء العلمية، بل وصل إلى "توحيد أسلوب التفكير". تذكر الطالبة (أسماء) موقفاً محرجاً عندما وبختهم الدكتورة قائلة: "غيّروا الصياغة جميعاً!"، وذلك بعد أن لاحظت تكرار كلمات معينة يفضلها الذكاء الاصطناعي مثل (تُبرز، وأسهمت) في جميع أبحاث الطالبات. وهو ما يؤكده مشارك آخر بقوله إن لغة الذكاء الاصطناعي "مفرطة الابتذال وأسلوبها موحد وعباراتها كليشيهات متكررة يسهل كشفها من السطر الأول".

الأستاذة جواهر صبحي، من قسم الإرشاد النفسي والاجتماعي، ترى أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم في تشابه التفكير واللغة بين الطالبات، لأن النماذج الذكية تميل إلى الأسلوب العام والمكرر، ما قد يقلل من التميز الفردي في الصياغة والتعبير إذا لم تطور الطالبة أسلوبها الشخصي.

ويشير الأستاذ فهد حسن، أخصائي الخدمة الاجتماعية في مستشفى الملك سلمان إلى أن هذا التوحيد قد يظهر اجتماعيًا وأكاديميًا في الواجبات والأبحاث الدورية التي تصبح متشابهة في البناء والمنطق واللغة، مؤكدًا أن بعض التخصصات، مثل علم الاجتماع، تحتاج إلى تحليل ذاتي ومراعاة اختلاف الحالات والبيئات الإنسانية، لا إلى إجابات عامة تصلح لكل موقف.

الإنجاز السريع: هل أصبحت السرعة أهم من الفهم؟

من العوامل التي تدفع الطلاب إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بحسب آراء المشاركين والمختصين، ضغط الوقت وكثرة المتطلبات الجامعية والرغبة في إنجاز المهام بسرعة. فالطالب لا يعيش داخل القاعة الدراسية فقط، بل يواجه التزامات متعددة، ومهامًا متراكمة، وتوقعات أكاديمية مرتفعة.

يؤكد الأستاذ فهد حسن أن التغيرات السريعة في العصر الحالي، وضيق الوقت، وضعف تنظيمه، وكثرة الالتزامات ومتطلبات الحياة، كلها عوامل تدفع الطلاب إلى البحث عن حلول سريعة. لكنه يرى أن مواجهة ذلك لا تكون بالاعتماد الكامل على الأداة، بل بتوعية الطلاب بأهمية الجهد الأكاديمي، والإنجاز الشخصي، والعصف الذهني في استحضار المعلومات.

وتتفق جواهر صبحي مع هذا الطرح، إذ ترى أن مفهوم الجهد الأكاديمي تغيّر إلى حد ما لدى بعض الطلاب، حيث أصبح التركيز منصبًا على سرعة الإنجاز وإتمام المهمة، أكثر من الفهم العميق وبناء المعرفة بشكل تدريجي.

أما نفسيًا، فتوضح الأستاذة فايزة المطيري أن الإشباع الفوري الذي تقدمه أدوات الذكاء الاصطناعي قد يقلل من "الصبر الذهني"، أي القدرة على تحمل العمليات المعرفية الطويلة مثل التحليل، والتفكير المتدرج، وحل المشكلات. فحين يعتاد الطالب الإجابة السريعة، يصبح أقل استعدادًا لخوض رحلة التفكير البطيء التي تتطلب جهدًا ومراجعة ومحاولة.

الثقة بالنفس تحت الاختبار

لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على المهارات الأكاديمية، بل قد يمتد إلى ثقة الطالب بنفسه. فحين يقارن الطالب بين نصه الشخصي، بما فيه من تردد ومحاولات وصياغات غير مثالية، وبين نص آلي منمق وسريع، قد يشعر بأن قدرته أقل من قدرة الأداة، فيزداد اعتماده عليها.

تقول الأستاذة فايزة المطيري إن هذا قد يؤدي إلى انخفاض في “الكفاءة الذاتية المدركة”، أي شعور الطالب بقدرته على الإنجاز بنفسه. ومع الوقت، قد يفقد الطالب الإحساس الحقيقي بالإنجاز؛ لأنه لم يمر بتجربة بناء الفكرة، ولم يختبر مشقة الوصول إلى نتيجة تعبّر عنه.

وهنا تتحول الكتابة من عملية وعي وتفكير إلى عملية نقل وإعادة صياغة. فبدل أن تكون الكتابة مساحة لبناء المعنى وتحليل الأفكار، تصبح أحيانًا مجرد إعادة ترتيب لمحتوى جاهز.

ليس الخطر في الأداة… بل في طريقة استخدامها

رغم كل هذه المخاوف، لا يدعو المختصون إلى رفض الذكاء الاصطناعي أو منعه، بل إلى إعادة تعريف دوره داخل البيئة التعليمية. فالأداة، إذا استُخدمت بوعي، يمكن أن تساعد الطالب على تنظيم أفكاره، وتوسيع مداركه، والتحقق من بعض المعلومات، وتطوير مهاراته. أما الخطر فيبدأ حين تتحول من مساعد إلى بديل.

توضح جواهر صبحي أن هناك تفاوتًا واضحًا بين الطالبات في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي؛ فهناك من يوظفه كأداة تطوير وتعزيز للفهم، وهناك من يعتمد عليه كبديل كامل للتفكير. وهذا التفاوت ينعكس مباشرة على مستوى المهارات والتحصيل الأكاديمي.

وتؤكد فايزة المطيري أن الاستخدام المساند يعزز التعلم وقد يزيد الثقة، بينما الاستخدام البديل يقلل من الكفاءة الذاتية ويضعف مهارات التفكير مع الوقت، لأنه يلغي الممارسة الذهنية التي يحتاجها الطالب حتى ينمو معرفيًا.

جيل سريع الوصول… لكن هل هو عميق التفكير؟

السؤال الأوسع لا يتعلق فقط بالواجبات الجامعية، بل بالمستقبل الاجتماعي والمعرفي لجيل كامل. فإذا اعتاد الطلاب الحصول على إجابات جاهزة، فكيف سينعكس ذلك لاحقًا على قدرتهم على حل المشكلات، واتخاذ القرارات، وإنتاج الأفكار الجديدة؟

تحذر جواهر صبحي من احتمال ظهور جيل يمتلك سرعة عالية في الوصول إلى المعلومة، لكنه أقل تدريبًا على التفكير العميق والتحليل المستقل، وهو ما قد يؤثر مستقبلًا على جودة الحوار وصناعة القرار. وتضيف أن الاعتماد المفرط قد ينتج أفرادًا يعرفون كيف يحصلون على الإجابة، لكنهم لا يمتلكون دائمًا القدرة على اختبارها أو نقدها أو إعادة بنائها.

ومن منظور نفسي، تشير فايزة المطيري إلى أن الأثر طويل المدى قد يظهر في تراجع القدرة على حل المشكلات بشكل مستقل، لأن الفرد يعتاد وجود “حل جاهز” بدل بناء حلول ذاتية تدريجية.

نحو سيادة الطالب على الآلة

لم يعد الذكاء الاصطناعي خيارًا هامشيًا يمكن تجاهله. لقد دخل البيئة التعليمية، وسيبقى جزءًا من واقعها. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست في منعه، بل في تعليم الطلاب كيف يستخدمونه دون أن يفقدوا أنفسهم داخله.

المطلوب اليوم ليس طالبًا يرفض التقنية، ولا طالبًا يستسلم لها، بل طالب يعرف متى يسأل الأداة، ومتى يشكك في إجابتها، ومتى يعيد صياغة الفكرة بصوته الخاص. طالب يستخدم الذكاء الاصطناعي للعصف الذهني، لا لتسليم عقله. للتنظيم، لا للاستبدال. للتطوير، لا لإلغاء الجهد.

فالخطر لا يكمن في أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً، بل في أن نقبل نحن بأن نصبح أقل تفكيرًا. وبين الذكاء الاصطناعي والكسل الفكري، يبقى الفاصل الحقيقي هو وعي الطالب: هل يقود الأداة، أم يتركها تقوده؟

photo_2026-05-10_22-39-22.jpg

المصادر:

المصادر العربية:

1.     القحطاني، أ. ن. ح. (2025). تصوّر طالبات الجامعات السعودية نحو استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي ChatGPT في التعليم العالي. المجلة التربوية لكلية التربية بسوهاج، 131(1)، 1–40. https://doi.org/10.21608/edusohag.2025.359602.1668

2.     كشميري، ا. أ.، والفراني، ل. أ. (2024). النزاهة الأكاديمية في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي ChatGPT: مراجعة منهجية. مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع، 99، 514–534. https://doi.org/10.33193/JALHSS.99.2024.989

3.     سمان، و. ب. م. ب. خ.، والشريف، إ. ب. ف. ب. ف. (2025). تحديات استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي من منظور الباحثين في بعض الجامعات السعودية. Journal of Arts, Literature, Humanities and Social Sciences، 126، 136153. https://doi.org/10.33193/JALHSS.126.2025.1560

المصادر الأجنبية:

4.    OECD (2026), OECD Digital Education Outlook 2026: Exploring Effective Uses of Generative AI in Education, OECD Publishing, Paris, https://doi.org/10.1787/062a7394-en.

5.    U.S. Department of Education, Office of Educational Technology. (2023). Artificial intelligence and the future of teaching and learning: Insights and recommendations. U.S. Department of Education. https://www.ed.gov/sites/ed/files/documents/ai-report/ai-report.pdf

6.    Watson, C. E., & Rainie, L. (2026). The AI challenge: How college faculty assess the present and future of higher education in the age of AI. American Association of Colleges and Universities & Elon University’s Imagining the Digital Future Center. https://dgmg81phhvh63.cloudfront.net/content/user-photos/Research/PDFs/AI_Challenge.pdf

7.    Risko, E. F., & Gilbert, S. J. (2016). Cognitive offloading. Trends in Cognitive Sciences, 20(9), 676–688. https://doi.org/10.1016/j.tics.2016.07.002

8.    Sparrow, B., Liu, J., & Wegner, D. M. (2011). Google effects on memory: Cognitive consequences of having information at our fingertips. Science, 333(6043), 776–778. https://doi.org/10.1126/science.1207745

9.    Firth, J., Torous, J., Stubbs, B., Firth, J. A., Steiner, G. Z., Smith, L., & Sarris, J. (2019). The “online brain”: How the Internet may be changing our cognition. World Psychiatry, 18(2), 119–129. https://doi.org/10.1002/wps.20617